مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
107
تفسير مقتنيات الدرر
* ( [ وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ ) * من بعد ] الرسل بأن جعلهم متّفقين على اتّباع الرسل بحيث لم يتمكّنوا من المخالفة ويلجئهم إلى الموافقة ويمنعهم عن الكفر إلَّا أنّه سبحانه لم يلجئهم إلى ذلك لأنّ التكليف لا يحسن مع الضرورة والجزاء لا يحسن إلَّا مع التخلية والاختيار . * ( [ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ] ) * بحسن اختياره * ( [ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ] ) * بسوء اختياره . * ( [ وَلَوْ شاءَ اللَّه ُ ] ) * عدم اقتتالهم بعد هذه المرّة مع هذا الاختلاف والشقاق اللازم للاقتتال بحسب العادة * ( [ مَا اقْتَتَلُوا ] ) * وما نبض « 1 » منهم عرق التطاول والتعاون ومنع وسلب عنهم قدرة القتال لما أنّ الكل تحت ملكوته . * ( [ وَلكِنَّ اللَّه َ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ] ) * ما تقتضيه المصلحة قال أبو السعود العلَّامة : إنّ الكرار في الآية ليس للتأكيد كما ظنّ بعضهم بل للتنبيه على اختلافهم ذلك ليس « 2 » موجبا لعدم مشيّته تعالى لعدم اقتتالهم بل هو سبحانه مختار في ذلك حتّى لو شاء بعد ذلك عدم اقتتالهم ما اقتتلوا ويفصح عن هذا المعنى الاستدراك بقوله : « وَلكِنَّ اللَّه َ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » من غير أن يوجبه عليه موجب أو يمنعه منه مانع . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) . لمّا قدّم بيان القتال والجهاد بالأنفس ذكر في هذه الآية جهاد المال والإنفاق في سبيله بقوله : * ( [ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ ] ) * المعتزلة احتجّوا بأنّ الزرق لا يكون إلَّا حلالا لأنّه تعالى أمر في هذا الآية بالإنفاق وما كان حراما لا يجوز أن يؤمر بإنفاقه فهذا يفيد القطع بأنّ الرزق لا يكون حراما . ثمّ اختلفوا بأنّ هذا الأمر هل مختصّ بالزكاة المفروضة أم يشمل المندوبة ومطلق الصدقات فقال جماعة : مختصّ بالمفروضة لأنّ قوله : « مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ِ وَلا خُلَّةٌ » وعيد والوعيد لا يتوجّه على ترك المندوب ، والأكثرون على أنّه يتناول المفروض والمندوب وأنكروا مفاد الوعيد في الآية قالوا مفاد الآية : أن حصّلوا منافع الآخرة حين كونكم في الدنيا فإنّكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة .
--> ( 1 ) نبض العرق : تحرك . ( 2 ) كذا في الأصل .